أبي حيان الأندلسي

65

البحر المحيط في التفسير

وينتصب حالا : جاء زيد وعمرو جميعا ، ويؤكد به بمعنى كلهم : جاء القوم جميعهم ، أي كلهم ، ولا يدل على الاجتماع في الزمان ، إنما يدل على الشمول في نسبة الفعل . تبرأ : تفعل ، من قولهم : برئت من الدين . براءة : وهو الخلوص والانفصال والبعد . تقطع : تفعل من القطع ، وهو معروف . الأسباب : جمع سبب ، وهو الوصلة إلى الموضع ، والحاجة من باب ، أو مودة ، أو غير ذلك . قيل : وقد تطلق الأسباب على الحوادث ، قال الشاعر : ومن هاب أسباب المنية يلقها * ولو رام أسباب السماء بسلم وأصل السبب : الحبل ، وقيل : الذي يصعد به ، وقيل : الرابط الموصل . الكرّة : العودة إلى الحالة التي كان فيها ، والفعل كر يكر كرا ، قال الشاعر : أكر على الكتيبة لا أبالي * أحتفي كان فيها أم سواها الحسرة : شدة الندم ، وهو تألم القلب بانحساره عن مأموله . . إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ، سبب النزول : أن الأنصار كانوا يحجون لمناة ، وكانت مناة خزفا وحديدا ، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ، فلما جاء الإسلام سألوا ، فأنزلت . وخرّج هذا السبب في الصحيحين وغيرهما . وقد ذكر في التحرّج عن الطواف بينهما أقوال . مناسبة هذه الآية لما قبلها : أن اللّه تعالى لما أثنى على الصابرين ، وكان الحج من الأعمال الشاقة المفنية للمال والبدن وكان أحد أركان الإسلام ، ناسب ذكره بعد ذلك . والصفا والمروة ، كما ذكرنا ، قيل : علمان لهذين الجبلين ، والأعلام لا يلحظ فيها تذكير اللفظ ولا تأنيثه . ألا ترى إلى قولهم : طلحة وهند ؟ وقد نقلوا أن قوما قالوا : ذكّر الصفا ، لأن آدم وقف عليه ، وأنثت المروة ، لأن حوّاء وقفت عليها . وقال الشعبي : كان على الصفا صنم يدعى إسافا ، وعلى المروة صنم يدعى نائلة ، فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث ، وقدم المذكر . نقل القولين ابن عطية : ولولا أن ذلك دوّن في كتاب ما ذكرته . ولبعض الصوفية وبعض أهل البيت كلام منقول عنهم في الصفا والمروة ، رغبنا عن ذكره . وليس الجبلان لذاتهما من شعائر اللّه ، بل ذلك على حذف مضاف ، أي إن طواف الصفا والمروة ، ومعنى من شعائر اللّه : معالمه . وإذا قلنا : معنى من شعائر اللّه من مواضع عبادته ، فلا يحتاج إلى حذف مضاف في الأول ، بل يكون ذلك في الجر . ولما كان الطواف بينهما ليس عبادة مستقلة ، إنما يكون عبادة إذا كان بعض حج أو عمرة . بين تعالى ذلك بقوله : فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ، ومن شرطية . فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ